محمد هادي معرفة

227

التمهيد في علوم القرآن

قال سيد قطب : وحقيقة أنّ وضع هاتين اللفظتين اللغوي هو الذي يمنحهما هذه الصور وليس هو استعمال القرآن الخاصّ لهما ، كما هو الشأن في الكلمات الماضية ، التي اشتقّها خاصّة أو استعملها أول مرّة ، ولكن اختيارهما في مكانيهما يحسب بلا شكّ في بلاغة التعبير . إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً « 1 » انظر إلى هذا التعبير الذي ملؤه الامتهان والاحتقار بشأن الطاغين وتصغير جانبهم والإزراء بحالتهم الفظيعة . إنّ جهنم كانت ترصدهم فتتلقّاهم في شرّ مآب ، ويلبثون فيه أحقابا ، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ، نعم « إلّا حميما » ماء ساخنا يشوى الحلق ويزيد في التهاب البطن . « وغسّاقا » ما يغسق ، أي ينصبّ من بدن الحريق ، من قيح وصديد ، تلك الانصبابة التي تكاد تتقطع من أعضائه المشويّة تقطّعا . تلك كئوس الشراب تقدّم إلى أولئك الطواغيت ، في مثل ذلك الحرّ القاطع . شراب نتن قذر ، مدّت إليه أعناقهم ليشربوه ، رغم استفظاعه واستقذاره فيا له من فظاعة ومسكنة وتعاسة . انظر إلى جرس اللفظة « غسّاقا » إنّها تصوّر حالة التهوّع التي تعتري الشاربين التعساء يكاد يخنقهم ألم شوكه . لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ « 2 » وما أدراك ما الضريع ؟ ! إنه طعام « لا يسمن ولا يغني من جوع » لا يسدّ جوعة ولا يمنع نهما ، سوى مضغة مضنية يلوكها الآكل في تلوّ وإرهاق ، وتعب ونصب وضمور بطن ، يلحقها ضراعة وتعاسة ومسكنة مزرية . قال الراغب : هو نبات أحمر منتن الريح ، يلفظه البحر . فإذا اقتاته الإبل أضنّته تخمته وأثقلته ووخامته . قلت : واللفظة بجرسها المرهق

--> ( 1 ) النبأ : 35 . ( 2 ) الغاشية : 6 .